قال الرجل بوقار وألم:.. «سأحكي لك عن البحر.. البحر المجنون.. البحر الذي لا يمل، ولا تتعب مياهه.. البحر الذي يحمل السفن والبحّارة.. ويضحك من معانقة الشواطئ.. البحر الذي ترسم النوارس رياحه، وتطير أمواجه من الأفق إلى الرمل… سألته: «إذن، أنت تعرف البحر جيداً يا عم؟».. أجاب: «أعرفه.. كنت حوتاً فيه، ثم لفظني ذات يوم.. لا تسألني لماذا؟.. ولا كيف؟»…
بدأت أقتنع أن الرجل إما غارق في لجج الجنون، أو هو حكيم غدرت به الفصول.. ولم تكن لدي رغبة في تركه، فقد نسيت مواعيدي أمام غرابته، ولم يبقَ لدي سوى الفضول… وقفت، وبيننا خطوات غريبين.. كان طويلاً ناحلاً مثل سارية.. وواقية شمس لا لون لها تعلو رأسه، يتدلى تحتها شعر طويل جَعْد يحيط بوجه مقتبس من لون الغضار.. وعينين عميقتين، يزيد من جلال عمقهما حاجبان رماديان كثيفان.. وكتفان عريضان، لا يليقان بنحوله، يغطيهما معطف قبطان شديد المهابة، والاهتراء..
أشار إليّ فاقتربت، وحين صرت في مساحة ظله، رفع يده مثل كاهن فينيقي يبارك رعيته، وقال: «أنت تحب البحر؟».. أجبته: «ومن لا يحبه؟!».. قال: «أنا لا أحبه، ولهذا أمرت بنفيه منذ قرن!»… «لكنه على بعد خطوات منك»… «ما دمت لا أراه فهو منفي.. البحر مجنون.. وأنت أحمق».. سألته: «لماذا؟».. أجاب: «لأنك عاشق… وكل العشاق حمقى!»..
وبدا الرجل كأنما سينفيني خارج وعيه.. ثم هدأ قليلاً.. في حين أبحرتْ عيناه إلى زمن مجهول… قال: «حين كنت حوتاً، أحببت حورية بحر.. أحببتها حتى أعمق لجة في محيط القلب.. وظننت، لطيبتي أنها تبادلني الحب.. كانت تطلب مني الشمس، فأجرُّ الشمس إلى شرفتها.. وتشتاق المطر، فآمر الغيوم أن تهطل فوق سريرها.. تسخر من ضخامة جسدي، فأتحول إلى نورس وجناحين.. وتهزأ من صمتي، فأصير أغنية عذبة… تبرد، فأنسج لها عباءة دفء… وتحترُّ، فأرسلُ من خفق جناحيّ نسيمات ربيع»..
صَمَتَ طويلاً.. ثم تابع: «ذات يوم قالت الحورية: «أنت عجيب.. تستطيع أن تصير أي شيء، كما لو كنت ابن ساحرة»… أجبتها: «ذاك هو العشق.. يصنع من الشجرة غابة، ومن قطرة الماء نهراً، ومن المتوحش ملاكاً».. قالت: «لكنك محدود بالبحر، مسجون في مياهه… أتستطيع الذهاب إلى الصحراء لأجلي؟»… وبدأتُ الرحلة إلى القحط… تشقق جلدي، ونزف.. وعدت بحفنة رمل مجبولة بالعطش.. ولم أجد حوريتي.. لم يكن هناك سوى صخرة نابتة وسط حقول من الخيبة…
ومضى يمشي في الماء باتجاه الشمس التي كانت تغيب في الأفق.. وغاب…
The post هذيان الملح appeared first on صحيفة تشرين.
Rea morePosted from صحيفة تشرين
Note: Only a member of this blog may post a comment.