خطاب التسامح

من الواضح أن جانباً مهماً من الخطاب الإسلامي المعاصر تشكل مع بدايات الهجمة الغربية على العالم العربي والإسلامي وحروبها التي استهدفت جوهرة الاجتماع السياسي والديني بضرب قيم التعددية في النسيج المجتمعي للأمة واستلاب هويتها, في مقابل الخطاب العنصري الإسرائيلي الذي تشكل على عقيدة النقاء من الأغيار ومعاداة التعددية بالاعتماد على سياسة (فرن الصهر) التي أطلقها (بن غوريون) لصهر مكونات اللفيف الصهيوني في ثقافة واحدة انتهت بإعلانها الرسمي عن – يهودية الدولة.
والسؤال: لماذا فشل الخطاب الإسلامي في مواجهة هذا التحدي؟ بل لماذا ارتد هذا الخطاب عن ثوابته القرآنية والنبوية في التسامح والاعتراف بحق الآخر في الاختلاف وحرية المعتقد فيما نراه من سجالات إسلامية – إسلامية لا تريد أن تحتكم إلى مرجعية القرآن الكريم والسنّة الطاهرة وركائزها التي استبدلت منطق الصراع بقيم التنافس والتعاون على البر والتقوى وحماية المواطنة الكاملة والمتساوية في إطار الأمن الاجتماعي وتحصين السلم مع الآخر المختلف بوصفه شرطاً موضوعياً لإدارة التنوع والاختلاف.
وفي مدى هذه الازدواجية العمياء قُذفت أمام الخطاب مشكلة قلب الوسائل إلى أهداف, وتحويل الإسلام الرسالة من مشروع لبناء إنسان التقوى والعدالة والاستقامة والرحمة, إلى مشاريع للسلطة وإكراه الناس على ثقافة المذهب الواحد على طريقة بن غوريون وسياسته التي أطلقها عن (فرن الصهر).
وبدل أن يعمد هذا الخطاب إلى اجتراح صيغة لتحرير العقل الإسلامي من الانهيار والسقوط أمام اجتياحات العولمة المتعطشة لثرواتنا ودمائنا بما أفرزته من سموم ثقافتنا وسلوكنا, وبدل أن يستعيد الخطاب مهمة التوحيد والتحرير وبلورة الأبعاد الإنسانية لثقافة المقاومة, انتقل بمناكفات الفتن وردود أفعالها من قذف حكوماته وأنظمته بالجاهلية, إلى قذف مجتمعه ومكوناته الثقافية والدينية بالتخوين والتكفير والارتداد عن دين الله تحت راية احتكار تفسير الإسلام وادعاء تمثيله الحصري بلافتات رفعت من دون وعي موضوعي ومنهجي لمضامينها كما في تأويلات التولي والتبري وتطبيقها مذهبياً في الداخل العربي والإسلامي المتعدد, وتفريغه من محتواه القرآني الذي لفتنا إليه القرآن ليقرر حكم العدالة والكرامة والمساواة في مقابل حكم الجاهلية الذي قام على الظلم والبغي والفساد. وعلى أثقال الهزيمة والفشل وإغراق الخطاب الإصلاحي في الأزمات على كل صعيد, ارتفع السؤال الجارح المجروح: هل بوسع هذا الخطاب استنقاد حياة شعوبه من الجهل والتخلف والحروب العبثية بين أبناء الأمة الواحدة؟ وهل بوسع الفاشل المهزوم إنجاز المثال الإسلامي الواعد بإدارة التعددية والتنوع والاختلاف؟.

The post خطاب التسامح appeared first on صحيفة تشرين.

Rea more
Posted from صحيفة تشرين
Thank you for reading the خطاب التسامح on Syria News Kit If you want to spread this News please include links as Source, and if this News useful please bookmark this page in your web browser, by pressing Ctrl + D on your keyboard button, Or click the share button to place it on your profile.

Latest news:

Note: Only a member of this blog may post a comment.