«تغريدة» ببضع كلمات.. لم يكن ترامب بحاجة لأكثر من ذلك ليُقلِق «نوم» الأوروبيين على ملف إرهابييهم الدواعش في سورية.. وليوقظهم غصباً وكرهاً على كابوس التعامل مع هؤلاء وجهاً لوجه وفي عقر الدار.. فماذا هم فاعلون؟..وطبعاً لا يفعل ترامب ذلك حُباً بنا وطلباً لأمننا، وإنما لغايات في نفسه الخبيثة، لا تخفى على أحد.
في 17 شباط الجاري، ألقى ترامب بـ«تغريدة» مطالباً الأوروبيين باستعادة 800 من دواعشهم في سورية مع زوجاتهم الـ 700 وأطفالهم الـ 1500، وأرفق ترامب تغريدته بتهديد ممهور بـ «.. وإلا» لوح بها في حال عدم الاستجابة لطلبه. هذه الـ «إلا» تلقفها رئيس النظام التركي رجب أردوغان عارضاً على ترامب أن تستلم تركيا الدواعش الأوروبيين وتتولى مسؤولية نقلهم و«رميهم» في وجه الأوروبيين.. وهذا آخر ما يريده الأوروبيون، إذ إن أردوغان «سيبيع ويشتري» فيهم على هواه، ليتحولوا «فُرجةً» في عرض ابتزازي طويل كما سبق أن فعل بين عامي 2015- 2016 عندما فتح البوابات التركية أمام عشرات آلاف اللاجئين ليغرق أوروبا بهم، وهي غرقت بالفعل ليس بشرياً فقط بل دموياً عبر سلسلة هجمات مروّعة راح ضحيتها المئات، ولا تزال أوروبا تستيقظ يومياً على هاجس هجمات جديدة.
إذاً، لا مفرّ أمام الأوروبيين.. وبالمقارنة يبقى ترامب- بالنسبة لهم- أهون شراً وإرهاباً من أردوغان.. هذا يعني أن الأوروبيين- عاجلاً أم آجلاً- سيستقبلون إرهابييهم الدواعش، ولا نعتقد أن الوقت سيطول ليفعلوا ذلك إذا ما أكمل ترامب سيناريو «النصر الوهمي» على «داعش» (والمتوقع إعلانه خلال أيام) بينما الحقيقة هي أن الولايات المتحدة تنهي «داعش» في مكان ما لتحييه في مناطق أخرى، وذلك بعدما فشلت في تحقيق مآربها في سورية من وراء «داعش».. ولننتظر في الأيام المقبلة المزيد من التفاصيل بشأن ما يسمى «الصفقة غير المعلنة» بين واشنطن وميليشيات تابعة لها وأردوغان نفسه بشأن استلام وتسليم إرهابيي «داعش».. وأيضاً العمليات المشبوهة (الإنزالات الجوية) التي قامت بها القوات الأمريكية خلال الأسبوعين الماضيين لتتخلص من عملائها وخازني أسرارها- إما بقتلهم وإما باعتقالهم- لعلّها بذلك تمحو آثار الجرائم التي اقترفتها بحق أهلنا ولاسيما في الرقة ودير الزور.
في كل الأحوال، لنعد إلى الأوروبيين، والأسئلة عن: كيف سيستقبلون إرهابييهم الدواعش، وكيف سيحددون مصيرهم، وأي محاكمات ستُعقد، وما مصير الزوجات والأطفال، وكيف في إمكانهم منع ترامب من توسيع حالة التسلط التي يمارسها عليهم؟
الجدل- في عموم الدول الأوروبية- لا يهدأ ولا يتوقف، ولكن لا إجابات واضحة عن هذه الأسئلة.. سنوات عدة أدار الأوروبيون ظهرهم لملف أبنائهم المنتمين للمنظمات الإرهابية في سورية، تغاضوا عن سفرهم.. لم يغلقوا البوابات أمامهم إلى الخارج عندما كانت وجهة الأبناء واضحة إلى مناطق محددة في سورية ليلتحقوا بالمجموعات الإرهابية وعلى رأسها «داعش».. هذه الحالة كان يسميها الأوروبيون آنذاك ديمقراطية وحرية شخصية.. واليوم عندما وُضعوا أمام إجبارية عودة هؤلاء، بات اسمها إرهاباً وابتزازاً، وأصبحت تسمية هؤلاء مجرمين وأعداء للشعب حسب تعبير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل أيام.
هؤلاء الإرهابيون الذين غادروا فرادى، سيعودون مع عائلاتهم: زوجات وأطفال وأقارب، وهم يتحدّون سلطات بلدانهم بحقهم في العودة، وكأن شيئاً لم يكن، أو كأن تواطؤاً بين الطرفين كان قائماً، إذ يمتلك هؤلاء الإرهابيون جرأة التحدي، بينما لا تملك السلطات الأوروبية جرأة المنع.. دواعش أوروبا يريدون العودة إليها واستكمال تربية جيل من أبنائهم على معتقداتهم التكفيرية ونزعاتهم الإرهابية، وسيجدون من المحامين والمدافعين عنهم عدداً كافياً لمساعدتهم في المحاكمات، لتكتشف أوروبا أنها أمام أخطر أزماتها الوجودية: إرهاب مرتد يقف على الأبواب ينتظر الإذن للدخول.. والأوروبيون لا يستطيعون شيئاً إلا إدخاله.. والنوم معه تحت سقف واحد.
بضاعة أمريكية متفجرة يريد ترامب إلقاءها في حضن الأوروبيين، وعلى هؤلاء تلقيها من «تم ساكت» كما يُقال في عاميتنا.. علماً أن هذه البضاعة سبق أن هاجمها ترامب لأنها من صنع خصومه الديمقراطيين، فعندما خاض ترامب حملته الانتخابية في عام 2016 كان أحد عناوينها الرئيسة: الفوضى التي نشرها الديمقراطيون في منطقتنا عبر المنظمات الإرهابية وآخرها «داعش». وقال ترامب حينها مرات عدة إن سلفه باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون هما من أسس «داعش» .
إرهاب أمريكا قديم- جديد
اليوم لا يجد ترامب ضيراً من الاستثمار في بضاعة أوباما- هيلاري، مستخدماً «داعش» ورقة ضغط وابتزاز من جهة، وسلاحاً إرهابياً ميدانياً من جهة ثانية.. ولم يكن الأوروبيون بعيدين عن هذه البضاعة وعن المشاركة في تشكيلها وتمويلها منذ القاعدة وحتى «داعش» وذلك وفق قاعدة التحالف عبر الأطلسي.. أما اليوم ومع ترامب الذي هدم هذه القاعدة، فإن الأوروبيين باتوا وحدهم في مواجهة خصمين هما: ترامب من جهة، والإرهابيون العائدون إليهم من جهة ثانية.
عشرات الشاحنات الأمريكية، لا تزال تصطف يومياً لنقل المئات من إرهابيي «داعش» مع عائلاتهم – ولاسيما الأجانب منهم- ولابد من الإشارة هنا إلى أنه في الأيام الأولى لإجلاء الدواعش كانت الشاحنات لا تخرج إلا وهي مُغطاة بشكل مُحكم فلا يظهر مَنْ في داخلها، وفي المجمل تخرج الشاحنات الأمريكية بمرافقة عربات الـ «همر» وعربات أخرى مدرعة وسيارات مسلحة برشاشات ثقيلة في مقدمة قافلة الشاحنات وفي نهايتها، تغطيها جواً حوامات للتحالف لنقل من يسمّون «شخصيات قيادية» في «داعش» من دون الكشف عن هويتهم وإلى أين يتم نقلهم، وبالعموم- وحسب المعلن- يتم نقل إرهابيي «داعش» وعائلاتهم إلى مخيمات، وبعضهم إلى قاعدة التنف، بانتظار «أوامر ترحيل أمريكية» واستلام من قبل الدول التي ينتمون إليها.
ماذا يعني هذا الكلام؟
1- يعني أن الولايات المتحدة قامت بعملية فرز للدواعش، فاحتفظت بالبعض في قاعدتها بالتنف لمآرب مستقبلية غير خافية على أحد. 2- يعني أن الولايات المتحدة هرّبت كل القيادات الداعشية المهمة بالنسبة لها تحت ستار ذلك «الغطاء المحكم» فلا يتعرف أحد على هويتهم. 3- يعني أن الولايات المتحدة هي المُتحكمة بكل الروايات الإخبارية التي تُنشر في وسائل الإعلام عن حقيقة ما جرى ويجري في المناطق الشرقية، في الأساس هناك تعتيم على ما يجري. 4- يعني أن الولايات المتحدة حرصت على إتمام عملية الإجلاء والنقل بأعلى درجة من التسلح لتضمن أن أياً من إرهابيي «داعش» لن يفلت من قبضتها، وقرارها اللاحق بتجنيده في هذه المنطقة أو تلك. 5- يعني أن الولايات المتحدة سترسل لكل دولة الدواعش الذين تختارهم هي، وبما يخدم مخططاتها الخبيثة في كل دولة.. ونسأل هنا: لماذا لم يطالب ترامب الدول الإفريقية أو الآسيوية باستعادة الإرهابيين المتحدرين منها وهم أكثر بثلاثة أضعاف من الدواعش الأوروبيين.. لماذا لم يطالب حلفاءه في الجوار باستعادة إرهابييهم؟ لماذا الأوروبيون حصراً هم من عليهم فعل ذلك؟.. (وللتوضيح: هذا لا يعني أننا نبرئ أحداً من دماء السوريين، أو نقول إن هناك داعشياً أكثر إرهاباً وإجراماً من آخر، أو إن الدول الأوروبية لا تتحمل مسؤولية إرهاب دواعشها في سورية.. بالنسبة لنا كلهم إرهابيون، والولايات المتحدة هي الإرهابي الأكبر).
أوروبا وخياراتها
لنعد إلى سؤال: لماذا يريد ترامب من الأوروبيين حصراً استعادة إرهابييهم؟
حسب إحصاءات دولية وأممية بلغ عدد الأجانب في تنظيم «داعش» 41490 إرهابياً قدموا إلى سورية من 120 دولة.. لأوروبا منهم 15156 إرهابياً (7525 من أوروبا الشرقية و5904 من أوروبا الغربية) وتأتي- بالترتيب: فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، بلجيكا في المقدمة لناحية أعداد دواعشها.
هؤلاء بعضهم قتل، وبعضهم اعتقل، ولكن بنسب قليلة، وما زال عدد الدواعش الأوروبيين كبيراً.. وبينما هم يستعدون للعودة، لم يحسم الأوروبيون بعد خياراتهم حيال التعامل معهم.
يُصنّف الدواعش الفرنسيون على أنهم الأخطر والأكثر تهديداً، ربما لذلك ترفض فرنسا عودتهم بالمطلق. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وصفهم بأنهم خطر على البلاد، بينما وصفهم وزير خارجيته جان إيف لودريا بالأعداء.
بريطانيا حاولت فوراً إغلاق باب الجدل و«التعاطف» الداخلي، لتسحب جنسيتها من أول العائدين المحتملين، وهي شميما بيغوم التي وضعت طفلاً منذ أيام.. وكانت شميما طالبة عندما سافرت قبل4 سنوات إلى سورية ودخلتها بطريقة غير شرعية لتنضم إلى «داعش» وتتزوج من أحد إرهابييه، وهي لا تبدي أي ندم على ما فعلته، بل تدافع عن انضمامها لـ«داعش» وتؤكد أنه لولا «هزيمة داعش» لما كانت فكرت بالعودة، لكنها اليوم مضطرة لذلك وهي تريد أن تستعيد جنسيتها وتريد أن تربي ابنها في بريطانيا.
هذه التصريحات أعطت الحجة للسلطات البريطانية لمنع شميما من العودة هي وأمثالها «الذين يكرهون بريطانيا» كما قال وزير الداخلية البريطاني ساجيد جاويد
بريطانيا (ومعها سويسرا) رأت أنه لا يمكن تعريض الأمن الداخلي للخطر «من أجل إعادة أناس غادروا بإرادتهم الحرة ليحاربوا في سورية والعراق».
ألمانيا (ومعها فنلندا والدانمارك) ترى أنه لا يمكن منع مواطنيها من العودة لأن القانون يضمن لهم ذلك أياً تكن الأفعال التي ارتكبوها.
لماذا أوروبا؟
مع ذلك، فإن الدول الأوروبية تتفق على نقطة مشتركة وهي أن الدواعش العائدين إليها هم قضية معقدة جداً، لا توجد حلول مثالية أو بسيطة لها، وما يزيدها تعقيداً هو تدخل الولايات المتحدة بها التي- للعلم- ترفض بالمطلق استقبال دواعشها، بينما هي تطلب من الأوروبيين استقبالهم وتهددهم بعواقب رفضهم، أما الأهداف والدوافع فهي تتركز على:
1- انتهاء صلاحية «داعش» في سورية بسبب هزائمه المتلاحقة تحت ضربات الجيش العربي السوري، ما دفع الولايات المتحدة وأدواتها في المنطقة للانتقال إلى المرحلة الثانية من المؤامرة على سورية، وتالياً على كل دولة أن تستعيد دواعشها، قبل أن يتحولوا عبئاً على المخططات الأمريكية، أو يشوهوا ما تدّعي أنه نصر لها على الإرهاب، بينما هي تريد أن تنتقل إلى مرحلة أكثر علانية وسفوراً. 2- في مرحلة لاحقة سيتم استقطاب هؤلاء أنفسهم إلى مناطق أخرى تستهدفها الولايات المتحدة، واليوم هناك أحاديث وتسريبات كثيرة عن المناطق المحتملة التي ستنقل إليها أمريكا دواعشها.
3- الضغط على الأوروبيين بتحميلهم أعباء أمنية مضاعفة في سبيل ضمان تبعيتهم وعدم تطلعهم إلى قوى أخرى في مرحلة تاريخية تعد مفصلية للولايات المتحدة ومستقبلها كقوة هيمنة وتسلط.
الإرهاب كـ«وديعة»
هذه الأهداف الأمريكية ليست تقليلاً من مسؤولية الأوروبيين، فلهم نصيب كبير فيما أصابنا وأصاب منطقتنا من إرهاب، ومع ذلك هم لا يعترفون، ويتعامون عما يُواجَهون به من أسئلة عن ازدواجيتهم الأخلاقية والقانونية.. ولماذا يتعاملون مع دواعشهم كقضية ثنائية بينهم وبين الولايات المتحدة، برغم ما تعرضوا وسيتعرضون له من عمليات إرهابية؟.. هم مثل الولايات المتحدة تماماً يريدون إرهاباً موجهاً مدمراً للآخرين على أن يبقى بعيداً عنهم، وهذا ما كان يحدث، أما ما تغير اليوم فهو العلاقة القائمة بين أوروبا والولايات المتحدة التي بلغت من الافتراق والتوتر حداً أوصل الولايات المتحدة إلى قذف الأوروبيين بالإرهاب.. إذا كان هذا حال الأوروبيين، فإنه يغدو مفهوماً لماذا لا يريدون استعادة إرهابييهم الذين كانوا في خدمة الولايات المتحدة، إلا إذا استمر الحال كما كان، أي تستمر أوروبا في تربية الإرهابيين، أو تستعيدهم حالياً وتبقيهم لديها «وديعةً» أمريكية يتم استردادها عند الطلب، أي أن أوروبا في كل الحالات لا تملك إلا أن تسمح بعودة دواعشها مع كل ما تحمله هذه العودة من مخاطر وتهديدات.
The post المهمّة انتهت.. عائدون! appeared first on صحيفة تشرين.
Rea morePosted from صحيفة تشرين
Note: Only a member of this blog may post a comment.