ليست «مناسبة» تحظى عادة باهتمام إعلامي، ولا عتب هنا على أحد، مادام أصحابها يعرفون ذلك جيداً، ويدركون سلفاً أنهم لن يجدوا مستقبلاً أكثر من زاوية صغيرة في معظم المعارض التشكيلية لعرض أعمالهم، ولن يُتاح لأحدهم شيءٌ من دعم يذكر سوى رغبته في أن يرسم، ولعلّها «الرغبة» وحدها من تجعل تخرّج طلاب قسم الحفر والطباعة في كلية الفنون الجميلة «مناسبة» تستحق الاحتفاء بها مع الأهل والزملاء، شركاء الحلم والخيبة.
هكذا قال أساتذة الكلية كلمتهم الأخيرة لـ 38 طالباً وطالبة، عبر لجنة مهمتها تحكيم مشاريع تخرجهم قبيل الانطلاق نحو عالم أكثر رحابة، لا مكان فيه للمراسم والقاعات وقوائم الناجحين في ساحة تشكيلية واسعة، تتعدد فيها الأساليب والتوجهات، وترتفع مستويات التحديات وضرورة إثبات الذات.
من بين هؤلاء الطلاب اجتازت «كاترين ملاك» عامها الدراسي الأخير في دمشق بعد أن أمضت سنواتها الثلاث الأولى في السويداء، لذا كانت المهمة أمامها أكثر صعوبة، كان عليها التأقلم مع كل شيء قبل أن تفكّر في مشروع تخرجها، ويبدو أنها استفادت مما عايشته في 30 لوحة اشتغلت عليها تحت عنوان «زنازين الفكر»، استحضرت فيها ما يُفرض على الإنسان عادة من أهله ومجتمعه وبيئته، فربما تُودي به الظروف نحو سجن إجباري لكنه أيضاً كثيراً ما يكون سجين نفسه باستسلامه لفكرة دينية أو اجتماعية أو أيّاً كانت، كأن يرفض إبداء رد فعل تجاه فقره أو مرضه، هذه القيود تجعل أحدنا نموذجاً لما يريده الآخرون لا ما يريد هو.
استخدمت ملاك تقنيات الحفر على المعدن والخشب والشاشة الحريرية وغيرها، اكتفت في بعض لوحاتها بالأبيض والأسود، ولّونت البقية، وما بين التعبيرية والتكعيبية، اهتمت بتفاصيل كثيرة غايتها التقاط متلقٍ يبحث عما تُخبئه اللوحة خلف الظاهر أو ما يبدو ظاهراً.
تتمنى «كاترين ملاك» الالتحاق بمقاعد الدراسات العليا، وعرض أعمالها فيما لو ساعدتها الظروف، وهو ما تسعى إليه زميلتها «نور محمود» أيضاً بعد أن قدمت 24 لوحة للتخرج تحت عنوان «رماد»، فيها فيض من المشاعر السلبية والانفعالات الإنسانية، تشرح محمود بأنها حاولت ترجمة الحزن والغضب والصمت وكثيراً مما يعتري النفس إلى شكل مرئي (لوحة)، عبر الجسد والخط المنكسر ليكونا وسيلتين تمكن ملاحظتهما في الشخوص المتكوّرة على نفسها، والأيدي المتشنجة والأفواه المفتوحة.
بعيداً عن المواضيع الإنسانية تميّزت «ربا الأحدب» باختيار «الغراب» موضوعاً للتخرج، فاستخدمت في 22 لوحة كل التقنيات التي تعلّمتها في الكلية، وطوّعتها في رسم الغراب بشكل أقرب للأسطورة، هو الذي ينحاز لقوانين ومحاكم صارمة، علّم الإنسان كيف يُداري أخطاءه ويحترم جسد أخيه الميت بدفنه، لا يمكن أن يكون أبداً نذير شؤم كما اعتاد مجتمعنا توصيفه.
تخريج دفعة جديدة من الطلاب سنوياً، أمرٌ يجري بانسيابية تقليدية منذ تأسيس كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق عام 1960 وحتى وقتنا الحالي، لترفد الحركة الفنية بآلاف الاختصاصيين، وإن كانت الحرب سبباً يُضاف إلى أسباب سابقة، تُنذر كلها بسنوات قادمة سنرى فيها فناً متدنياً وتسويقاً لأي شيء، إلا أن التهميش لطالما نال فناني الحفر والطباعة، بدءاً من فرص العرض القليلة وليس انتهاء بغياب أيٍّ من أشكال الدعم، ومع ذلك هذا لا يمنع من إعطاء الفنانين القادمين حقهم ولو بالكلمات، تقول الدكتورة كندة معروف، عضو لجنة تحكيم مشاريع التخرج، إنّ المشاريع لهذا العام تُظهر تمكناً واضحاً من التقانة وفهماً عميقاً للقيمة الغرافيكية للعمل، بالطبع هناك تفاوت في مستويات الطلاب، لكن العمل المتقن واضح، البعض ذهب بعيداً في مجال التقنيات، عرف كيف يمسك بخيط التقانة لتعطي مفهوماً آخر للفن، وهناك من أتقن عدة تقنيات لكنه لم يطوعها كما يجب، ولا ننسى أهمية اختيار الموضوع المناسب لكل تقنية حيث يستفيد الطالب مما تتيحه لخدمة موضوعه كاستخدام الخامات والكولاج، بمعنى آخر تؤكد معروف: على الطالب أن يدرك لعبة الفن، نتمنى أن نصل إلى هذه المرحلة مع طلابنا، وبعضهم تجاوز توقعاتنا هذه المرّة، أمّا المستقبل فلا يبدو مشرقاً جداً أمام الوجوه الجديدة، تعلّق معروف: الفنان عموماً مظلوم في بلدنا، والطالب في المحصلة أصبح جزءاً من المشهد العام برمته، البعض يتمكن من إثبات نفسه كفنان وتحقيق إنجاز ما، لكن البقية وهم موهوبون أيضاً ربما لا يجدون فرصة أو دعماً أو تبنياً من أيّ جهة.
الخطوات القادمة للخريجين تشمل الدراسات العليا أيضاً بوصفها خياراً يحظى بتأييد الأغلبية ومهرباً من مواجهات معروفة، وعلى حد قول الدكتور عبد الكريم فرج، العضو في لجنة تحكيم المشاريع، فهي فسحة كبيرة للإبداع، لا يجب التقليل من شأنها، ومصدر الثقة هذا يأتي من رضاه عن مستويات الطلاب، ليس بمعنى السكون بل بالخطوات التي وصلوا إليها.
يوضح فرج أن مهمة الأساتذة الفنية والإبداعية رفع مستوى التقانة إلى مستوى الموضوع حيث تتم «إدانة» التصوير الفوتوغرافي وإعلاء شأن الفن كشعر وتخيّل وأنغام موسيقية وصورة جديدة لم نألفها من قبل، ولهذا يجب أن ترتفع التقانات حيث تصل إلى مستوى تعبيري قد لا يشبه الأصل بمعناه الحرفي لكن قد يشبه قمة الأصل في معناه التعبيري.
وسواءً اتجه هؤلاء نحو العمل أو الدراسة، أمامهم طريق طويل ومطبات كثيرة، ولا شك في طريقهم أيضاً محطات ونجاحات ومناسبات تستحق الاهتمام بها كما مناسبة تخرّجهم في كلية الفنون الجميلة قبل أيام.
The post معرض «غداً نلتقي».. في تخرّج طلاب قسم الحفر والطباعة appeared first on صحيفة تشرين.
Rea morePosted from صحيفة تشرين
Note: Only a member of this blog may post a comment.