باتت التقنيات الرقمية أشبه بالهوس والإدمان الجديد في مجتمع التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، وفي معرض الكتاب الحالي شاركت أكثرُ من عشرين دار نشر لكتب الأطفال بما لديها من «صناعات ومنتجات» متعلّقة بكتب الأطفال، لكن خمس أو ست دور منها فقط مختصة فعلاً بالكتاب، والبقية تهتم بالوسائل والألعاب التعليمية والترفيهية وقطع التركيب (البازل) حيث تصرَفُ على هذه الألعاب مبالغ طائلة في مقابل نسبة ضئيلة من ميزانيات الدور تذهب نحو الاهتمام بالكتب المطبوعة التي تتراوح أسعارها بين ألف ليرة وسبعة آلاف ليرة حسب جودة الورق المصقول وأهمية الرسّامين وعراقة الدار.
وفي زمن التكنولوجيا المنافسة التي تسحب اهتمام الأطفال بعيداً عن عالم الكتاب الورقي، التقت «تشرين» عدداً من دور النشر وزائري المعرض وكان هذا الاستطلاع:
يشير موفّق حافظ -مسؤول جناح دار الحافظ (1997) إلى «أن هناك تراجعاً بشكل عام ليس فقط على مستوى كتب الأطفال، إنما على صعيد العلاقة مع الكتاب، لكننا حاولنا إيجاد نوعيات جديدة من الكتاب التفاعلي وانتقاء نوعية مواضيع مثل سلسلة عجائب العلوم/الكتاب الصوتي التفاعلي مع كود خاص موجود على غلاف الكتاب وبعد شراء الطفل الكتاب يأخذه هذا الكود نحو موقع إلكتروني خاص اشتغلناه كجزيرة للمعلومات العلمية المرتبطة حصراً بما هو موجود داخل الكتاب. كي لا ينسى الطفل أهمية الكتاب واستخدامه مع التقنية».
يوافقه في الرأي نوّار كاتبة -مسؤول «مؤسسة سين للثقافة والنشر» فحسب رأيه: «التكنولوجيا اكتسحت حياتنا كلّها ومعها حياة أطفالنا، أصبح الكتاب صديقاً من الماضي، لكن رؤيتنا للثقافة هي أن نصرّ على بقاء الطفل متعلّقاً بالكتاب بوصفه شيئاً حميمياً يمكن له أن يجد فيه معلومات متخصصة لكون الباحث يجتهد في صناعة كتابه ومراجعه كمادة موثوقة أكثر من وسائل الإنترنت الواسعة والمتشعبة لكن قليلة الموثوقية»
ويضيف كاتبة: «لنكن صريحين الأطفال بالعموم ينجذبون للوسائل التعليمية أكثر من الكتاب المطبوع في حدّ ذاته حتى لو احتوى على قصص مشوقة وصور أو رسومات لافتة ومفرحة، لكننا نحاول».
بينما يقول أمجد ترجمان -(مسؤول دار الربيع الموجودة في سوق النشر السوري منذ عام 1960): «في زمن التقنيات هذا نهتمّ ونتوسع بالمطبوعات الموجهة للأعمار الصغيرة (منذ عمر السنتين حتى العاشرة) من حيث المناهج التربوية المطوّرة والألعاب التعليمية وحتى بدمج تقنيات التكنولوجيا في مطبوعاتنا».
ويشير إلى أن «اعتمادهم على أفكار التسالي والألعاب الجاذبة والألغاز التفاعلية هو ما يشدّ الطفل نحو إعمال عقله والتفكير في حلول للمشكلات التي يمرّ فيها، ولذلك كل سنة لدينا إصدارات جديدة ومتجددة من حيث المحتوى ومدروسة من اختصاصيين نفسيين وتربويين».
وعن المميز هذه السنة يقول: «لدينا جناح تخفيضات خاص فكل ما هو منشور منذ أكثر من عشر سنوات يباع فقط بخمسمئة ليرة مراعاةً لوضع الناس، ولدينا كتب مختصّة بذوي الاحتياجات الخاصة وأطفال التوحّد فيها ميزات خاصة من حيث الترابط بين الألوان والطرق الخاصة بتحريك القطع والصفحات مثل سلسلة «لوجيكو».
أمّا السيدة فاتن بهلول -(وهي أستاذة جامعية وزائرة للمعرض برفقة أولادها) فلها رأيٌ مميز إذ تقول: «أولادُك يرونك ولا يسمعونك كما يقول المثل، بمعنى أن الأطفال يقلّدون الأهل بما يرونهم عليه بالسلوك والفعل وليس بالملاحظات والتلقين أو الإجبار. التكنولوجيا هي في نهاية الأمر وسائل معرفة مهمّة وباتت ضرورة ملحة في هذا الزمن التقني لكن ليس جميع الأطفال يعرفون كيف يستفيدون منه، هناك بحرٌ مخيف ومتشعّب من المعلومات منها ما يحمل الطفل نحو الأعلى ومنها ما يشوّه ويسيء».
واقترحت السيدة بهلول كنوع من حلول لهذه الإشكالية «أن يُعتَمدُ الكتابُ الإلكتروني أو الكتاب السمعيّ كحلٍّ وسط بين الكتاب الورقي وتقنيات الذكاء الاصطناعي بأشكالها المختلفة»، مشيدةً بالفكرة التي بادرت بها إحدى دور النشر بالتعاون مع المدارس تحت ما يسمّى «الطفل القارئ» وهي مسابقة تشجع الطفل على أن يبقى على علاقة وتواصل مع الكتاب الورقي مع الاهتمام والتركيز على جواهر ومواضيع قيّمة.
بينما اشتكى وجد منصور (أبٌ لثلاثة أطفال) من الأسعار المرتفعة في دور النشر العربية واللبنانية التي تتراوح بين ثلاثة آلاف إلى ستة أو سبعة آلاف ليرة سورية خاصة للمطبوعات باللغة الإنكليزية أو الموسوعات العلمية بالأبعاد الثلاثية وتحجيمات الصور والرسوم وهو مبلغٌ «يكسر الظهر في حال رغب المواطن أن يشتري لكل أفراد عائلته» حسب تعبيره.
ونوّهت السيدة فاتن كِتّاني بأننا «نحتاج إلى إعلانات تربوية في التلفزيون إعلانات جاذبة للطفل وموجهة له نحو القيم الجمالية والمعرفية للكتاب، لكن بعض رأس المال جبان ولا أحد يهتم بصناعة إعلانات عن منتجات ثقافية مثل الكتاب لأنهم يعتقدون أن ذلك غير مربحٍ وغير ذي جدوى اقتصادية، بكل أسف».
The post في معرض الكتاب الحادي والثلاثين.. appeared first on صحيفة تشرين.
Rea morePosted from صحيفة تشرين
Note: Only a member of this blog may post a comment.