لم يكد يطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحه بضرورة عودة إرهابيي «داعش» الذين يحملون الجنسية الأوروبية إلى بلدانهم، وضرورة أن تقوم الدول الأوروبية التي صدّرتهم إلى سورية والعراق، أو غضّت الطرف عنهم، أو سهلت مغادرتهم إلى هذين البلدين باسترجاعهم مع أسرهم حتى ثارت بلبلة كبيرة في الأوساط الأوروبية حول تقييم أوضاعهم وإعادة تسميتهم وتصنيفهم والطرق والوسائل التي يجب أن تتبع في التعامل معهم وكيفية الفصل بين تصنيفهم وتصنيف أسرهم وما إلى ذلك من تحليلات وتأويلات.
والسؤال: هل فاجأ ترامب الأوروبيين بهذا التصريح، أم إن «داعش» جزء من الجيش الأمريكي «الوكيل» الذي يجب أن ينسحب وفقاً لقرار ترامب بسحب الجيش الأمريكي النظامي الذي يشكل قوة احتلال لجزء من الأراضي السورية بعد فشل المخطط الأمريكي الغربي للسيطرة على سورية والعراق بهذه العصابات الإرهابية التي كانت تدار وتشغل من استخبارات أمريكية وأوروبية جرى سحبها منذ فترة وترحيلها إلى جهات كانت مجهولة في البداية، وبدأت تتضح معالم جغرافيتها تباعاً.
بالتأكيد، كل المعطيات والدلائل تشير إلى أن الإنزالات الأمريكية التي بدأت منذ العام 2017 وكانت تسوق لها وسائل الإعلام الغربية والعميلة لها على أنها «اعتقالات لقيادات داعشية» كانت بالفعل عمليات سحب قيادات استخباراتية من جميع الدول التي انخرطت في الحرب على سورية بعد أن انتهى دورها في قيادة العمليات الإرهابية، وإدارة وتوفير الدعم اللوجستي لهذه العصابات وحين تيقن رؤساؤهم من أن مشروعهم باء بالفشل أو يسير حثيثاً في هذا الاتجاه.
الآن قرار ترامب يحمل طابعاً مرحلياً يستكمل فيه سحب ما تبقى من «قيادات» إرهابية على مستوى أقل رفعة إضافة إلى ما تبقى من عناصر إرهابية لإيداعهم في أوروبا كمركز تجميع حتى يحين الوقت المناسب لزجهم في مكان آخر من العالم، ولا يستبعد أن وجهتهم القادمة ستكون فنزويلا التي يحرض الأمريكيون على تأجيج الأزمة فيها لتدميرها كما فعلوا سابقاً في سورية والعراق وليبيا وحالياً على الحدود الإيرانية- الباكستانية والإيرانية- الأفغانية.
في مجمل الأحوال، فإن ردات الفعل الأوروبية على تصريحات ترامب متفاوتة بين رافض كلياً لعودة هؤلاء الإرهابيين كفرنسا وبين متذمر من عودتهم ومتحسب لذلك من خلال طرح إجراءات قد تتخذ بحقهم، أو تسريب خطط مدبرة لهم لثنيهم عن العودة تخوفاً من تحولهم إلى قنابل موقوته قد تنفجر في وجوههم، وقد حصل هذا السيناريو أكثر من مرة وفي أكثر من بلد أوروبي.
الغريب في الأمر هو النفاق والكذب والخداع الأوروبي وتحديد وجهة الإرهاب باتجاه واحد وليس في اتجاهين، فحين كانت الدول المبتلية بالإرهاب «الداعشي» وغير «الداعشي» تتحدث عن الإرهاب ووجوب محاربته والقضاء عليه، كانت الدول الراعية للإرهاب تصنف العناصر الإرهابية على أنها «معارضة مسلحة»، وأحياناً كثيرة بل في كل الأحيان كانت تسوغ لها إجرامها بحق الشعوب التي ابتليت بها وتسوّقه تحت شعار «حرية الإعلام ونقل الصورة بأمانه» تارة، ومن خلال تزوير وتزييف الحقائق ومساواة المجرم بالضحية تارة أخرى.
وعندما بدأ الحديث عن ضرورة عودة هؤلاء الإرهابيين الأوروبيين إلى بلدانهم التي جاؤوا منها أصبحوا إرهابيين ومجرمين خطرين على المجتمعات الأوروبية لدرجة أن بعض الدول الأوروبية أعطت الضوء الأخضر للدول التي اعتقلت بعضهم بضرورة إعدامهم والتخلص منهم بكل السبل والوسائل.
أما الأمر الذي يثير الارتياب ويؤكد ما ذهبنا إليه سابقاً من أن عملية سحبهم من سورية والعراق ليست بهدف القضاء على الإرهاب في هذين البلدين كما تدعي الإدارة الأمريكية، بل بهدف استثمار الإرهاب في أماكن أخرى، فهو: لماذا دعا ترامب إلى عودة الإرهابيين الأوروبيين فقط إلى بلدانهم ولم يدعُ لعودة الإرهابيين «الداعشيين» من مختلف البلدان إلى بلدانهم؟ ولماذا لا يعود «الداعشي» السعودي والقطري والليبي وغيرهم إلى بلدانهم، بل لماذا لا يسلم المعتقلون من هؤلاء الإرهابيين إلى سلطات البلدان التي قتلوا شعوبها لمحاكمتهم حيث كانت جرائمهم وتحت رقابة الأمم المتحدة إذا اقتضى الأمر؟.
ولماذا لا تشكل لهم محكمة إرهاب عالمية ماداموا قد صنفوا إرهابيين عالميين خطرهم يطول العالم بأسره.
الحقيقة كما نراها أن هؤلاء الإرهابيين «داعشيين وغير داعشيين» هم في نظر أمريكا والحكومات الغربية عملاء ومرتزقة مأجورون لم تنته صلاحيتهم بعد، ولذلك ربما تأتي دعوة ترامب للأوروبيين لاستقبالهم لتسويغ عملية سحبهم تجاه الرأي العام الأوروبي والعالمي، وأنهم استجابوا لدعوة ترامب وتحت ضغط الولايات المتحدة وليس لأنهم هم من جندوهم لتدمير البلدان التي ذهبوا إليها، وآن أوان استعادتهم، وقد يفضح ما هو قادم من الأيام نفاقهم ودجلهم وكل آلاعيبهم ومؤامراتهم بحق الدول التي دمروها والشعوب التي أزهقوا أرواح أبنائها.
The post إرهاب باتجاه واحد appeared first on صحيفة تشرين.
Rea morePosted from صحيفة تشرين
Note: Only a member of this blog may post a comment.